خصوصيات المنازعات الوقفية

  • بواسطة

الأحباس او الأوقاف كانت منذ العصر الإسلامي الأول ثم سادت في كل الأقطار الإسلامية وشكلت سمة من أهم سمات المجتمعات الإسلامية كما اصبحت عاملا من عوامل الرقي و التقدم في الحضارة الإسلامية عبر العصور, ذلك ان الأوقاف شملت جميع أنواع الحاجات سواء الاقتصادية او الاجتماعية او العلمية او الصحية وغيرها .

لذا نجد ان  المشرع المغربي نظمها و عرفها في مدونة الاوقاف في المادة الأولى[1] الوقف هو ” كل مال حبس أصله بصفة مؤبدة أو مؤقتة وخصصت منفعته لفائدة جهة بر وإحسان عامة أو خاصة.ويتم انشاؤه بعقد او بوصية او بقوة القانون

يكون الوقف اما عاما او معقبا او مشتركا ”
وانطلاقا من ذلك فالحبس عاما ينقسم أولا إلى وقف مؤبد وقف مؤقت وهذا ما أكدته المادة 23 من مدونة الأوقاف التي تنص على انه ” يجوز أن يكون الوقف مؤبدا أو مؤقتا…”، ويقصد بالوقف المؤبد ما أعطيت منفعته بصفة دائمة ما بقي المال موجودا. أما الوقف المؤقت فهو ما أعطيت منفعته لمدة يعود بعدها ملكا للواقف أو ورثته أو غيرهم….
وينقسم الوقف من جهة ثانية اعتبار للجهة المستفيدة منه إلى وقف عام ووقف معقب وأخر مشترك وفق مقتضيات المقطع الثاني من المادة الأولى الذي ينص على أنه ” يكون الوقف عاما أو معقبا أو مشتركا”.
وتتجلى أهمية الوقف باعتباره وجه من أوجه التبرع الخاصة  في تأدية خدمة جليلة هدفها تحقيق نوع من التكافل والتضامن الاجتماعي. ونكران الأشخاص لدواتهم في سبيل تلبية حاجات المجتمع. فقد ساهم الوقف عبر التاريخ في تأمين الحاجات الأساسية للمجتمعات الإسلامية، وبخاصة الفئات المعوزة مما يجعل الاستغناء عن الوقف بجل أشكاله وأنواعه أمرا مستحيلا ليس فقط بالنسبة لأفراد المجتمع وإنما أيضا بالنسبة للدولة والتي وجدت – الحبس – ركيزة أساسية تستند إليها لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، أو على الأقل للحد من تفاقمها

لهذه الأسباب وكذلك لكون أن الوقف أضحى جزءا مهما من الثروة الوطنية ومن مجموع الوعاء العقاري الوطني. ودفاع عن أحباس المسلمين. كان من اللازم التعامل معه بنوع من الخصوصية، فيما يتعلق بالمنازعات المرتبطة بالأحباس. وكذا البحث والتقصي في أحكام الفقه الإسلامي من طرف القضاء حين البت في هذه المنازعات؟
فما هي تجليات خصوصية المنازعات المتعلقة بالأحباس؟

نظرا للدور الذي كانت الأوقاف ولازالت تلعبه في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإن الأمر يتطلب حمايتها ،وهذه الحماية لكي تكون تامة يجب أن تتميز بنوع من الخصوصية عن تلك المقررة في القواعد العامة لغيرها من القضايا لذلك لزم دراسة الخصوصيات التي تتميز بها من خلال مطلبين، رفع الدعوى ودور النيابة العامة (المطلب الأول)، الإثبات وطرق الطعن (المطلب الثاني).

المطلب الأول: رفع الدعوى ودور النيابة العامة

يتميز رفع الدعوى في إطار المنازعات الوقفية والسير فيها عن القواعد العامة المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية ببعض الخصوصيات من حيث الصفة، والمصاريف القضائية، وأتعاب المحامي (الفقرة الأولى) كما أن دور النيابة العامة في هذا النوع من المنازعات وخصوصا في مسألة التبليغ وتقديم المستنتجات يظل محوريا ويتميز كذلك ببعض الخصوصيات (الفقرة الثانية(

الفقرة الأولى: رفع الدعوى

لا يمكن قبول الدعوى المدنية إلا بوجود مدعي و مدعى عليه، و اشترط المشرع فيهما شروطا محددة وهي:
– بالنسبة للمدعي: الصفة والمصلحة والأهلية.
هذا وعلى اعتبار أن ما يهمنا هنا في هذا الإطار خصوصيات المنازعات العقارية في مجال الأحباس – هو الصفة لما تتميز به عن الصفة في إطار القواعد العامة فقد ارتأينا تناولها بنوع من التفصيل.
والصفة تعتبر من الشروط الأساسية للتقاضي والتي بانعدامها لا تقبل الدعوى. فهي سلطة مباشرة من طرف صاحب الحق المعتدى عليه، أو المهدد بالادعاء في مواجهة المعتدى أو المهدد بالاعتداء[2]
وشرط الصفة هذا لا يثير أي إشكال عندما يكون الشخص مدعى باسمه ولحسابه الخاص، خلاف ذلك عندما يتعلق الأمر باسم ولحساب الاغيار كالشخص المعنوي الخاص أو العام، فالصفة تثبت للممثل القانوني، وهذا من الخصوصيات التي تميز المنازعات الوقفية حيث وكما هو منصوص عليه في المادة 56 من مدونة الأوقاف الجديدة أن الذي ينوب عن الأوقاف هو الممثل الحكومي أو من ينتدبه لهذه الغاية والذي جاء كالتالي: ” تمثل الأوقاف العامة أمام القضاء مدعية أو مدعى عليها من لدن السلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف أو من تنتدبه لهذا الغرض” وهذا ما سار عليه القضاء في أحد قراراته حيث حصر صفة الإدعاء في وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أو من ينتدبه لهذا الغرض وفي ما يلي نص القرار ” لما كان الثابت من وثائق الملف أن الدعوى مرفوعة حسب مقالها الافتتاحيي من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في شخص ناظرها بمكناس، وأن هذا الأخير أدلى ابتدائيا بنسخة طبق الأصل من قرار انتدابه للترافع أمام المحاكم باسم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في قضايا المنازعات التي تهم نظارته بصفة عامة، وهو مدرج بالملف، فإن المحكمة التي قبلت الدعوى، وعللت قرارها بان السيد الناظر هو الذي يمثل الوزارة في إقامة الدعوى تكون قد صادفت الصواب.ويثار السؤال هل يمكن إدراج الوزير الأول عند التقاضي لصالح الوقف أو ضده خصوصا وأن جميع الإدارات ترفع الدعاوى باسم الوزير الأول . إلا أنه ونظرا للخصوصيات الت يتميز بها الوقف في مجال المنازعات ،فإن المؤسسة المكلفة بالوقف عنما تترافع وتتقاضى فهي لا تتقاضى باسم مرفق عام ،وإنما باسم النظارة و الولاية على الوقف .
محكمة الموضوع تستقل بحق تقييم الحجج المقدمة أمامها، ولها أن ترجح بعضها على البعض تبعا لذلك”[3]
ومن الأمور التي تثير كذلك إشكالا وهي من الخصوصيات أيضا في مجال المنازعات العقارية المتعلقة بالوقف مسألة المصاريف القضائية، حيث أنه وكما هو معروف أن الشخص إذا أراد رفع دعوى للمطالبة بحق وقع الاعتداء عليه أو دفع طلب المدعي وجب عليه أن يؤدي المصاريف القضائية وتحمل واجبات وأتعاب الدفاع، هذا في إطار القواعد العامة أما بخصوص المادة الوقفية فالإدارة المكلفة بالأوقاف أو الممثلة لها وسواء كانت مدعية أو مدعى عليها فهي تبقي معفية من أداء المصاريف القضائية ما تعلق منها بتقديم الدعوى أمام المحكمة أو مصاريف الدفاع أو التحقيق أو المعاينة…
كذلك وكما هو منصوص عليه في قانون المحاماة أن أتعاب المحامي المنتصب للدفاع عن حقوق المتقاضي لا يمكن إقامة دعوى للبت في النزاعات المتعلقة بتحديدها سواء في القواعد العامة أو في الأوقاف إلا أنه مع صدور مدونة الأوقاف فإنه أصبح بإمكان إدارة الأوقاف إقامة دعوى للبث في النزاع المتعلق بتحديد أتعاب المحامي المنتصب للدفاع عن حقوق الأوقاف، وذلك استثناء من مقتضيات القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة[4]
بعد أن تحدثنا عن بعض الخصوصيات المتعلقة بالمنازعات العقارية بخصوص الصفة والمصاريف القضائية وأتعاب المحامي فإنه حري بنا الحديث عن دور النيابة العامة في المنازعات الوقفية خصوصا التبليغ إليها.

الفقرة الثانية: دور النيابة العامة في المنازعات الوقفية

تلعب النيابة العامة دورا كبيرا في جميع المنازعات عقارية كانت أو منقولة حيث يمكن لها أن تكون طرفا رئيسيا أو منضما، كما أنها قد تمثل الأغيار في الحالات المحددة بنصوص قانونية، حيث يحق لها التدخل تلقائيا كمدعية أو مدعى عليها في الأحوال المحددة بمقتضى القانون، ويمكنها أن تلجأ لاستعمال كل طرق الطعن عدا التعرض.
وهي تتدخل كطرف منظم في جميع القضايا التي يأمر القانون بتبليغها إليها، وكذا في الحالات التي تطلب النيابة العامة التدخل فيها بعد إطلاعها على الملف، أو عندما تحال عليها القضية تلقائيا من طرف المحكمة، ولا يحق في هذه الأحوال ( أي عندما تكون طرفا منضما فقط) استعمال أي طريق للطعن.
وعلى اعتبار أن ما يهمنا هنا هو تدخل النيابة العامة كطرف منضم في المنازعات العقارية المنصبة على الأملاك الحبسية فإن طبيعة الموضوع تفرض علينا دراسة دور النيابة العامة في هذا المجال، حيث ينص الفصل التاسع (9) من قانون المسطرة المدنية1 المعدل والمتمم بمقتضى القانون رقم 72.03 على ما يلي: ” يجب أن تبلغ إلى النيابة العامة الدعاوى الآتية:
1 – القضايا المتعلقة بالنظام العام والدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية والهيآت والوصايا لفائدة المؤسسات الخيرية وممتلكات الأحباس والأراضي الجماعية.
[5] – …….. يشار في الحكم إلى إيداع مستنتجات النيابة العامة أو تلاوتها بالجلسة وإلا كان باطلا”.
بناء على مقتضيات الفصل التاسع سالف الذكر فإنه يتوجب تبليغ كل القضايا المتعلقة بالمنازعات الوقفية إلى النيابة العامة، وهو ما سار عليه القضاء في الكثير من القرارات، حيث جاء في قرار للمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) ما يلي: ” لما كان النزاع يتعلق بعقار محبس وأن الحبس صار لمصلحة حتى من لم يولد بعد، وبعد انقراض المحبس عليهم يرجع لمسجد مولاي علي الشريف فإنه كان يجب أن تبلغ الدعوى إلى النيابة العامة.
وهذا راجع إلى أن الحكم الخالي من مستنتجات النيابة العامة في الحالات التي يوجب القانون تبليغها لها يكون ناقصا ومعرضا للبطلان، وهو ما أقره أيضا المجلس الأعلى في أحد قراراته الذي جاء كالتالي: ” خلو الحكم من الإشارة إلى مستنتجات النيابة العامة كما تقضي بذلك الفقرة الأخيرة من الفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية، يؤدي بطلانه، إذ أن عدم إحالة الملف على النيابة العامة طبقا للفصل المذكور في المرحلة الابتدائية يؤدي إلى بطلان الحكم الصادر فيه ولو قامت الهيئة الاستئنائية بإحالته على النيابة العامة لديها لأن ذلك لا يغني عن النقض الحاصل ابتدائيا” وهكذا يتضح أنه حتى ولو قدمت النيابة العامة مستنتجاتها في مرحلة الاستئناف ولم تقدمها أمام المحكمة الابتدائية فإن الحكم يكون باطلا نظرا لأهمية مستنتجاتها بخصوص هذا النوع من النزاعات.
يتضح إذن لتقديم دعوى متعلقة بملك حبسي أنه يلزم تمثيل الأوقاف أمام المحكمة من طرف الوزير الوصي أو من ينتدبه لهذه الغاية. ويجب أيضا تبليغ القضية للنيابة العامة حتى تستطيع تقديم مستنتجاتها.[6]

المطلب الثاني: الإثبات وطرق الطعن

على اعتبار الأهمية التي يحظى بها الإثبات في المنازعات العقارية بصفة عامة وكذا طرق الطعن في الأحكام التي يصدرها القضاء في هذا الإطار فقد ارتأينا تناولهما بنوع من التفصيل فيما يتعلق بالخصوصيات التي يثيرها كل من الإثبات (الفقرة الأولى) والطعن (الفقرة الثانية(

الفقرة الأولى: الإثبات في الأحباس

الإثبات هو إقامة الحجة والدليل أمام القضاء بالطرق والوسائل التي حددها القانون هذا ويأخذ المغرب فيما يتعلق بإثبات الأملاك الحبسية بالمذهب المالكي، هذا الأخير انقسم الفقه فيه إلى اتجاهين: اتجاه أول ذهب إلى التشدد في قبول وسائل إثبات الحبس وذلك بحصره لها في رسم التحبيس، وفي ذلك يذهب الفقيه التسولي إلى القول” رد الإشهاد شرط صحة في التبرعات من حيث هي، وفي كل ما كان من غير عوض كالتوكيل والضمان ونحوهما، ولا يختص الإشهاد بالتبرع على الصغير فقط إذ لا معنى لكونه شرط في الصغير دون الكبير كما قد يتبادر”[7]
ثم إن هذا الرأي لا يقبل شهادة السماع اعتبارا لكونها مبنية على الظن بإسنادها إلى علم الغير وفق هذا الاتجاه علاوة على عدم قبول الشهادة اللفيفية التي تلجأ إليها الأوقاف لإثبات استحقاق الحبس.
وفي مقابل هذا الاتجاه، ذهب اتجاه ثان من الفقه إلى إطلاق وتيسير وسائل الإثبات في المادة الوقفية، وفي ذلك سار مفتي فاس العلامة سيدي المهدي الوزاني في كتابه “النوازل الجديدة الكبرى” أخدا عن قول المحقق سيدي يعيش الشاوي في كواكبه السيارة على قول التحفة ما نصه: ” يشمل ما كانت (أي البينة) تامة كعدلين، أو ناقصة كعدل واحد، حسيا كان أو معنويا كالعرف، أو امرأتين في بابهن، والصبيان فيما بينهم من قتل أو جرح، وواحد في باب الخبر”
هذا وقد نصت مدونة الأوقاف [8]على أنه ” يمكن إثبات الوقف بجميع وسائل الإثبات وتعتبر الحوالات الحبسية حجة على أن الأملاك المضمنة بها موقوفة إلى أن يثبت العكس.
لا ينتج الإقرار على الوقف أي أثر في مواجهته” وعليه يمكن إثبات الحبس بجميع وسائل الإثبات.
ومن بين هذه الوسائل الإقرار، سواء كان قضائيا بأن صدر بمجلس القضاء بمناسبة نزاع حول الأحباس، أو غير قضائي وهو الذي يصدر عن الشخص وقد يكون خط يده، او بخط غيره لكن موقع من لدنه
ويشترط في الإقرار لينتج آثاره القانونية على قيام الحبس ووجوده أن يكون صادرا عن رضاء وأن يكون المقر متمتعا بكامل أهلية الإدراك والتمييز وأن تكون إرادته خالية من العيوب التي يمكن أن تشوبها.
كما يمكن الإثبات أيضا بالحيازة والتي تنتج آثارها في حقل الحبس ولو تمت دون إذن المحبس أو رضاه، هذا وإن كان بإمكان إدارة الأوقاف إثبات الحيازة لصالحها فلا يمكن للطرف الآخر الاستناد على الحيازة لإثبات تملك العقار المحبس، لان الأحباس لا تسقط ملكيتها بالتقادم أو الحيازة ولا تعد سببا لكسب الملكية في الفقه الإسلامي.
وهذا ما نص عليه المشرع المغربي في مدونة الحقوق العينية في المادة 261 بقوله: “لا تكتسب بالحيازة:
– أملاك الدولة العامة والخاصة.
– الأملاك المحبسة.
– أملاك الجماعات السلالية.
– أملاك الجماعات المحلية.
– العقارات المحفظة.
– الأملاك الأخرى المنصوص عليها صراحة في القانون”.
وهو ما سار عليه القضاء في العديد من قراراته التي أقرت بعدم جواز تملك الأملاك المحبسة بالحيازة.
وفيما يتعلق بالعقار المحفظ فإن التقييد بالرسم العقاري كاف لإثبات الحوز. كذلك يمكن إثبات الحبس بالشهادة، والأصل في الشهادة العيان أي أن يشهد الشاهد على ما رأى بعينه ولا يشهد بما سمعه إلا في الزواج والحبس، والفقه الإسلامي يقبل شهادة السماع في إثبات الحبس ولا يشترطون علم الشاهد بموضوع الشهادة علما خاصا، وعليه فإذا كانت الشهادة بالقول تتطلب الإبصار والقول فإن الشهادة بالتسامع يتعطل فيها الإبصار، وقد تبنى المجلس الأعلى سابقا العديد من القرارات في هذا الشأن حيث جاء في احد قراراته ما يلي: ” الحبس يثبت ببينة على أنه حبس، وإنما يحاز بما تحاز به الأحباس، يحترم بحرمتها ويكفي ذلك فيه عن موجب الملكية التام، والمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما قيمت ملكية الطالبة عدد 310 بأنها لا تتوفر على شرط الملك فردت تعرضها مع أنها عبارة عن ملكية حبس، شهد شهودها بأن المشهود به هو حبس ويحاز بما يحاز به الأحباس، ويحترم بحرمتها ويكفي ذلك فيها عن موجب الملكية التام، لم تجعل لقضائها أساس، وعللت قرارها تعليلا فاسدا ينزل منزلة انعدامه، وعرضته للنقض”.
كما يثبت الحبس بواسطة الحوالة الحبسية وقد كرس هذا القضاء في أحد قراراته حيث أنه” الحوالة الحبسية دليل على الحبس إذا لم يوجد ما يعارضها.
الحبس لا يمكن تفويته ولا اكتسابه بالتقادم أو غيره.[9]
الإدعاء بأن الملك أنجز للمدعي عليه إرثا لا يمكن سماعه ما لم يدل بما يفيد موت المورث وعدة الورثة وتناسخ الإراثات لقول أبي الحسن الزقاق في لاميته:
ومن يدعي حق لميت ليثبتن له الموت والوارث بعد لتفصلا
هذا فيما يتعلق بالإثبات في المادة الوقفية أمام القاضي فماذا عن طرق الطعن في الأحكام التي يصدرها القضاء في هذا الشأن؟ وهو ما سنحاول التطرق إليه في الفقرة الموالية.

الفقرة الثانية: طرق الطعن

طرق الطعن في المسطرة المدنية على نوعين، عادية وتشمل التعرض والاستئناف، وغير عادية: وتضم النقض كأهم طريق من طرق الطعن غير العادية ثم تعرض الغير الخارج عن الخصومة، وإعادة النظر.
ودرجات التقاضي على مرحلتين كما أن المغرب لم يعرف ما يسمى بجهات قضائية كما في فرنسا، لأنه ليس لدينا إلى محكمة واحدة للنقض وهي المجلس الأعلى سابقا (محكمة النقض حاليا) والتي تبت في الطعون الموجهة للقرارات التي تصدرها محاكم الاستئناف بالمملكة على اختلافها (مدنية، تجارية، إدارية…)، فلو كان في المغرب محكمة للنقض خاصة لكل نوع من القضايا لأمكن لنا القول بأننا نتوفر على جهة قضائية، وعلى اعتبار أن ما يهمنا في هذا الإطار هو الطعن في القرارات والأحكام التي تصدر في المادة الوقفية، وبالأخص الاستئناف والنقض.
فالمنازعة في الأوقاف تتميز فيما يخص الطعن عن ما هو عليه الحال في القواعد العامة وبالضبط قانون المسطرة المدنية، لذلك يتعين توضيح أوجه الفرق بينهما بالنسبة للاستئناف، والنقض، وإعادة النظر.
فالمتعارف عليه هو أن الأحكام التي تصدرها التي تصدرها المحكمة الابتدائية المختصة التي تتجاوز قيمتها 20.000 درهم وفقا للتعديل الذي لحق الفصل 19 من ق م م تكون ابتدائية، ويحق لطرفي الدعوى في الحالة التي لا يرضي فيها الحكم أي منهما كما في الحكم الجزائي لكل منهما بمطلبه أو لأحدهما أن يطعن في ذلك الحكم بالاستئناف أمام محكمة الاستئناف المختصة باعتبارها محكمة موضوع، يحق لها عرض الدعوى من جديد، ولا يمكن تنفيذ الحكم الصادر ابتدائيا وهو بين أيدي محكمة الاستئناف.[10]
وما يميز الأحكام التي تصدر في المادة الوقفية وبالضبط في كراء الأملاك الجبسية عن ما هو مضمن في المسطرة المدنية أن المحكمة عندما تبت في نزاع من النزاعات المثارة بين المكري (الأحباس) والمكتري ولو تجاوزت قيمة النزاع 20.000 درهم لا يمكن الطعن في الأحكام التي تصدر بشأنها بالاستئناف ويكون حكمها حكما نهائيا، وهو ما نص عليه الفصل 113من الظهير المتعلق بتحسين حالة الأحباس العمومية والذي ينص على أنه ” يحكم القاضي حكما نهائيا في شأنه النزاع الناتج عن هذا الاتفاق ولا يطلب المكتري استئناف الحكم في أي محكمة كانت وإن صدر عليه الحكم فلا يطلب استينافه”.
هذا ويجدر القول على أن مدونة الأوقاف أكدت على أنه لا يجوز الطعن في الأحكام الصادرة في موضوع الكراء بالاستئناف وهي أحكام نهائية عندما قررت في مادتها 93 بأنه ” تكون الأحكام والأوامر القضائية الصادرة لفائدة الأوقاف العامة في النزاعات المتعلقة بالكراء المنصب على الأملاك الحبسية نهائية، ولا يجوز للمكتري الطعن فيها بالاستئناف”.
وما يفهم من المادة 93 من مدونة الأوقاف أن المشرع لا يقصر الصفة النهائية على الأحكام. وإنما أضاف إليها الأوامر القضائية ولكن على شرط أن تكون لصالح الأوقاف وبمفهوم المخالفة أنه إذا صدر حكم في نزاع حول كراء حبسي لصالح المكتري فإنه يكون من حق الأوقاف الاستئناف. وهذا ففي رأينا إخلال بمبدأ المساواة في التقاضي رغم أن الأوقاف غايتها الأساسية خدمة الصالح العام لكن لا يجب أن ننسى أن هناك مبدأ يقضي بالمساواة أمام القضاء.
هذا فيما يتعلق بالاستئناف، أما الطعن بالنقض فكما هو معلوم أن للمتقاضي مباشرة الدعوى والسير فيها إلى نهايتها إذا كانت تتوفر الشروط المتطلبة لذلك. ومحكمة النقض تعتبر محكمة قانون وليست محكمة موضوع، لذلك فعندما يطعن أمامها في قرار صادر عن محكمة الاستئناف فهي لا تعيد البت في القضية والتحقيق فيها من جديد وإنما تراقب محكمة الاستئناف هل طبقت القانون الواجب التطبيق تطبيقا سليما أم لا. علما أنه في التعديل الأخير أصبحت جميع القرارات الصادرة عن محكمة الاستئناف تقبل الطعن بالنقض، لان اختصاص هذه الأخيرة معلق على أن تكون قيمة نزاع الحكم الابتدائي أكثر من 20.000 درهم، وحتى يقبل النقض يجب أن تكون قيمة النزاع الذي تبت فيه محكمة الاستئناف أكثر من 20.000درهم، وهو ما يتوافر في جميع القرارات الاستئنافية .
وما يهمنا في الطعن بالنقض هو التنفيذ إذ أنه وكما هو معلوم أن الطعن في قرار محكمة الاستئناف لا يوقف التنفيذ. إلا ما استثناه الفصل 3612 من الظهير المتعلق بالمسطرة المدنية وعليه يمكن للمحكوم له بقرار صادر عن محكمة الاستئناف أن يطالب تنفيذ القرار، ويترتب بالتالي على التنفيذ عدم إمكانية إرجاع الحال إلى ما كان عليه في حال نقض محكمة النقض للقرار لكن اعتبارا لأهمية الوقف في المجتمع المغربي، وما يؤديه من خدمات، ارتأى واضعو مدونة الأوقاف أن توجد استثناء وتضفيه إلى الفصل 361 ق.م.م ليصبح الطعن بالنقض في القضايا الوقفية يوقف التنفيذ وهذا دون أدنى شك يخدم مصلحة الوقف، حيث تنص المادة 57 من مدونة الأوقاف في هذا الصدد على ما يلي: ” يوقف الطعن بالنقض المقدم من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف في الدعاوى المتعلقة بالأوقاف العامة تنفيذ الأحكام المطعون فيها”.
بالإضافة إلى الطعن بالاستئناف والنقض. فالطعن بإعادة النظر بتمييز ببعض الخصوصية في مجال المنازعات الوقفية، والطعن بإعادة النظر هو طريق غير عادي يستطيع أحد الخصوم في الدعوى أن يسلكه في حالة معينة للطعن في الأحكام الابتدائية غير القابلة للتعرض والاستئناف، وذلك أمام نفس المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه، ابتغاء رجوع هذه المحكمة عنه والقيام بالتحقيق في القضية من جديد تلافيا لخطأ غير مقصود كان يشوب الحكم المطلوب إعادة النظر فيه
هذا وقد نص الفصل 4021 من قانون المسطرة المدنية على حالات إعادة النظر على سبيل الحصر مما يؤكد عدم إمكانية اللجوء إلى هذا النوع من طرق الطعن في أي حالة أخرى، لكن مدونة الأوقاف جاءت بمقتضى جديد يعطي إمكانية اللجوء إلى الطعن بإعادة النظر في الأحكام الصادرة في الدعاوى المتعلقة بالوقف العام متى قامت حجة على حبسيته حيث تنص المادة 58 على أنه: ” يمكن الطعن بإعادة النظر في الأحكام القضائية الصادرة في الدعاوى المتعلقة بالوقف العام متى قامت حجية على حبسية المدعى فيه، وذلك داخل أجل خمس (5) سنوات من التاريخ الذي يصبح فيه الحكم نهائيا”.
يتضح إذن أنه يمكن الطعن بإعادة النظر في الأحكام المتعلق بالوقف العام بصريح النص، لكن السؤال المطروح ماذا عن الوقف الخاص؟ نعتقد أن النص واضح وبالتالي لا يمكن سلوك هذا الطريق من الطعن بخصوص الوقف الخاص.
ومن الخصوصيات أيضا الأجل الذي يمكن داخله الطعن بإعادة النظر حيث عمد المشرع على وضع أجل خمس سنوات وهو عكس ما تبناه المشرع في القواعد العامة المضمنة بالمسطرة المدنية

المراجع

[1]  الظهير الشريف الصادر رقم 109.236 الصادر في 8 ربيع الأول 1431 (23 فبراير2010) المتعلق بقانون مدونة الاوقاف

[2] محمد الأزهر:الدعوى المدنية.مطبعة دار النشر العربية الدار البيضاء الطبعة الأولى 2010 ص 15

[3] عبد الكريم الطالب:المختصر في الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية .المطبعة والوراقة الوطنية مراكش طبعة 2005 ص 20

[4] مجلة الدليل العملي في المنازعات الوقفية.مطبعة الأمنية الرباط طبعة أولى 2011 ص 5

[5] نفس الرجع السابق ص8

[6] – عبد الرزاق أصيبحي :الحماية المدنية للأوقاف العامة بالمغرب .مطبعة الأمنية الرباط طبعة أولى 2009 ص 56

[7] – مجلة الأملاك الحبسية المطبعة والوراقة الوطنية مراكش 2006

[8] في المادة 48

[9]  نفس المرجع السابق ص 66

[10] عبد الكريم الطالب م س ص 30

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *